sudani
07-24-2006, 06:06 PM
المبدوءُ باسمه، إلهنا ربّ الأطفالِ لا ربُّ الجندِ
والمصَلّى عليهِم، أنبياؤنا المقدَّسةُ رسالاتهم
والمرَحَّب بهنّ وبهم، المجمّلات والمجمِّلون لهذا الملتقى
والمحتفى بها، العربيّةُ ترفلُ بالأمان بينَ أهلها
أيّها الأحبّةُ،
أن يرحل العسكر، محمِّلا معدّاتِه، كاتما فوهاتِ بنادقه، محرّكا مجنزراتِه إلى مرائبها... ليس إيذانا بنهاية استعمارٍ أوِ احتلال... إن هو إلاّ نهايةُ مصطلح. وأن ينسحب المندوب السّامي بخَدَمِه وحشمه، بعد أن تيقّن أنّ الشّعوبَ أتقنت فنّ السّيادة المدبلجة، لا يعني أنّنا أصبحنا أسياد أنفسنا... إن هي إلا مفرداتٌ انزاحت أمام مفردات أكثرَ دماثة.أُغلِقَ بابٌ، لتُفتَّحَ بيبانٌ تحت أسماءٍ حضاريّة شتّى، تحضنها التّعدّديّة حينا، والانفتاحُ على الآخر، وقَبولُ المغاير، وحوار الحضارات حينا، وكلّ ما هناك أنّ القسريّةَ في الأمور قدِ انزاحت، لتتربّعَ الطّوعيّةُ مطرَحَها، ونحن نعشق الطّوعيّةَ حتّى التّطوّع. وما السّيادة؟من مِزَقِ حضاراتٍ وأشلاءِ تاريخ، استطاعتِ الدّولة العبريّة أن تبنيَ أمّةً عبر لغةٍ كانت طقسيّة... بنَتْ لغتَها وجامعتَها قبل بناء دولتها، ووعتْ أنّ تشكُّلَ الأمّة لا يتأتّى إلا في بوتقة الصّهر؛ سنواتٌ قليلة، وسبعون لغةً ولُغَيَّةً تذوب وتمّحي في العبريّة الجديدة، باللّغة تأسرلوا وتصهينوا، وباللّغة تهوّدوا وتسيّدوا... والبداية بسيطة جدّا؛ لغةُ التّدريس هي العبريّةُ، من الحضانة حتى الجامعة.
أمّا نحن، فمنفتحون على الآخر، مُعَوْلَمون، مُتَهَيْتِكون حتى الانهتاك؛ في المدرسة الواحدة مساقاتُ تدريس... والعربيّةُ منزوية محمرّة الخدّين... من لطمٍ، لا من تورّد العافية.
صفوة الطّلبة، بل صفوة الصّفوةِ، يتعلّمون بالإنجليزيّة أو بغيرها!
هل سمعتم إنجليزيّا يُقحم كلماتٍ فرنسيّات أو ألمانيّات في حديثه؟
أسمعتم ألمانيّا أو فرنسيّا يفعلان كذا بلغتهما؟
أرأيتم أسودا هجرتْ زئيرها؟
أسمعتم عنادلَ صدحت بهديل الحمائم؟
كلّ مخلوقات الأرض تعرف أصواتَها، تعرف ذاتَها وخصيصتَها، وتعرف لغاتِها ولغوَها...
أمّا نحن، فللغتنا معنا قصّةُ عتابٍ يئست منها فيروز من قبلُ، أو مسرحيّةُ عذابٍ، دونَها سيزيفُ أو تنتالوس،لم تُرخَ ستائرُها بعدُ، فالمشاهد تخترق الزّمان والمكان، والأبطالُ بعدد رمل الصّحراء العربيّة... لا بعدد نجوم السّماء. مأساتُنا أنّنا لا نجيد إلاّ الإفراطَ في الأمور أو التّفريطَ بها، وبين إفراطٍ وتفريطٍ انفرط عِقدُنا.
سيادة الأمم تبدأ بسيادة لغاتها وبمؤسّساتها التي ترقى بهذه اللّغات. ما صارتِ الإنجليزيّةُ لغةً دوليّةً لقدسيّةٍ فيها، بل لخطإٍ في التّاريخ العسكريّ في الحرب الكونيّة الأولى، في اللّعبة الدّمويّة لهيمنة القوّة، جعلها لغةَ الولايات المتّحدة، بعد أن كانت الألمانيّة اللّغةَ الرسميّة السّيّدة...
ومن باب محاولة حفظ التّوازن، تسعى فرنسا إلى إثبات حضورها، حضارةً وقوّةً رئيسة في العالم عبر ما يسمّى بالدّول الفرانكوفونيّة!
ونحن، وجُلّنا سيّدات وأسياد في الخطاب، سادةٌ مقموعون مقهورون ظلّيّون... يتملّكنا شعور بالاستعلاء على اللّغة مردُّه إلى شعور بالدّونيّة تجاه الآخر. جلّنا سيّداتٌ وأسياد... وبنو سام وبنو الجان وبنو ضبّة يجدون عندنا، في هجعة بني أميّة، المطايا والتّكايا،
يومَ همس بنيامين فرانكلين عامَ 1750، معبّرا عن قلقه من انتشار الألمانيّة وهيمنتها في بنسلفينيا، ويوم عارض جورج واشنطن تشجيعَ الهجرة في رسالته إلى جون آدمز عام 1789، لأنّ المهاجرين، من ضمن أخطارهم، أنهم: " يحتفظون بلغاتهم التي أتَوا بها"... كان الاثنان يعرفان خطرَ اللّغة وخطورتَها.
كانت الألمانيّة آنذاك، اللّغةَ الرّسميّة في المدارس الأهليّة والعامّة في سنسناتي (Cincinnati)، مِلووكي (Milwaukee)، وسانت لويس (St. Louis)، حتى سمّيت المنطقةُ " المثلّثَ الألمانيَّ العظيم"، ثمّ بدأت الولايات بإصدار قوانينَ تُعلَّم وَفقها المباحثُ الأكاديميّةُ بالألمانيّة، وبدأت أوهَيو (Ohio) عام 1837، ثمّ تلتها ولايات أخرى في الأربعينيّات، فأعلِنَتِ الألمانيّةُ لغةَ تعليمٍ في كلّ الصّفوف في الولاية المذكورة، وفي ويسكنسن (Wisconsin) ومسّوري(Missouri).لم تكن الألمانيّة لغةَ تدريس فحسب، بل كانت وسيلة إحياء التّراث الألمانيّ والانتماء إلى الشّعب الألمانيّ، وكان أن وقع "الخطأ" التّاريخيّ بعد توحيد ألمانيا عام 1870، وانعكس الأمر في تنامي المدّ القوميّ الألمانيّ وتزايُدِ مظاهر الانتماء إلى البلد الأمّ الذي هاجروا منه. لاحظنا بدايات النّهاية في هيمنة الألمانيّة بُعيد اللُّعبة الدّمويّة؛ الحربِ الكونيّة الأولى، ولا شكّ في أنّ وجود ألمانيا والولايات المتحدة في جانبي القوى المتقاتلة، ترك أثره في مجريات الأمور، وحين تتحدّث كتُبُ التّاريخ الغبيّةُ عن عقابيل الحرب وما خلّفته من دمار، تُغْفِلُ اندحارَ الألمانيّة، واختيالَ الإنجليزيّة بدلا منها حتى بين الأمريكيّين من ذوي الأصل الألمانيّ، لتصير هذه الإنجليزيّةُ الأداةَ الأولى في تشكيل أمّة الأمم.
وفي ثلاثينَ دقيقةً عليّ أن أتحدّث عن اللّسان والهُويّة واللّغة والأمان، وحيث إنّني أتحدّث بلغتي عنّي، فأنا مترفٌ بالأمان،
فعلا مشتقّا من الإيمان، بدءا بالخالق وانتهاء بالذّات،
فعلا مشتقّا من أمانتين تعانقان الوريد؛ لغتي وأطفالي...
لغتي التي فَتَحَتْ عينيّ على الجمال، منذ أطلّ وجه خولةَ الذي ألقتِ الشّمسُ رداءها عليه، فعشقتُ حتى الدَّنَف، وتعلّمت البوح والتّوجّع واجتراحَ العلوم والمعارف، وعشقت أطفالي بملائكيّتهم وشيطنتهم، بلثغتهم، تُجَمِّلُ "سورة الإخلاص" و "أبانا الذي في السّمٰوات"، وعشقت حتّى لثغةَ شتائمِهم... أوَبعدَ هذا الدّنفِ تريدون تخلّيّا وانكفاءً؟ اللّغات، كما الأمّهات أو الحبيبات، لا تُعقُّ ولا تُهجَرُ... والعربيّة، أيّها الأحبّةُ، لا تعيشُ أزمةً، وإن كان لنا أن نتحدّث عن أزمتها، فإنّها مأزومة معنا ومأوزمة بنا
جزء من المحاضرة التي ألقاها الدكتور عطا الله في الملتقى الثقافي الدّولي الخامس عشر
والمصَلّى عليهِم، أنبياؤنا المقدَّسةُ رسالاتهم
والمرَحَّب بهنّ وبهم، المجمّلات والمجمِّلون لهذا الملتقى
والمحتفى بها، العربيّةُ ترفلُ بالأمان بينَ أهلها
أيّها الأحبّةُ،
أن يرحل العسكر، محمِّلا معدّاتِه، كاتما فوهاتِ بنادقه، محرّكا مجنزراتِه إلى مرائبها... ليس إيذانا بنهاية استعمارٍ أوِ احتلال... إن هو إلاّ نهايةُ مصطلح. وأن ينسحب المندوب السّامي بخَدَمِه وحشمه، بعد أن تيقّن أنّ الشّعوبَ أتقنت فنّ السّيادة المدبلجة، لا يعني أنّنا أصبحنا أسياد أنفسنا... إن هي إلا مفرداتٌ انزاحت أمام مفردات أكثرَ دماثة.أُغلِقَ بابٌ، لتُفتَّحَ بيبانٌ تحت أسماءٍ حضاريّة شتّى، تحضنها التّعدّديّة حينا، والانفتاحُ على الآخر، وقَبولُ المغاير، وحوار الحضارات حينا، وكلّ ما هناك أنّ القسريّةَ في الأمور قدِ انزاحت، لتتربّعَ الطّوعيّةُ مطرَحَها، ونحن نعشق الطّوعيّةَ حتّى التّطوّع. وما السّيادة؟من مِزَقِ حضاراتٍ وأشلاءِ تاريخ، استطاعتِ الدّولة العبريّة أن تبنيَ أمّةً عبر لغةٍ كانت طقسيّة... بنَتْ لغتَها وجامعتَها قبل بناء دولتها، ووعتْ أنّ تشكُّلَ الأمّة لا يتأتّى إلا في بوتقة الصّهر؛ سنواتٌ قليلة، وسبعون لغةً ولُغَيَّةً تذوب وتمّحي في العبريّة الجديدة، باللّغة تأسرلوا وتصهينوا، وباللّغة تهوّدوا وتسيّدوا... والبداية بسيطة جدّا؛ لغةُ التّدريس هي العبريّةُ، من الحضانة حتى الجامعة.
أمّا نحن، فمنفتحون على الآخر، مُعَوْلَمون، مُتَهَيْتِكون حتى الانهتاك؛ في المدرسة الواحدة مساقاتُ تدريس... والعربيّةُ منزوية محمرّة الخدّين... من لطمٍ، لا من تورّد العافية.
صفوة الطّلبة، بل صفوة الصّفوةِ، يتعلّمون بالإنجليزيّة أو بغيرها!
هل سمعتم إنجليزيّا يُقحم كلماتٍ فرنسيّات أو ألمانيّات في حديثه؟
أسمعتم ألمانيّا أو فرنسيّا يفعلان كذا بلغتهما؟
أرأيتم أسودا هجرتْ زئيرها؟
أسمعتم عنادلَ صدحت بهديل الحمائم؟
كلّ مخلوقات الأرض تعرف أصواتَها، تعرف ذاتَها وخصيصتَها، وتعرف لغاتِها ولغوَها...
أمّا نحن، فللغتنا معنا قصّةُ عتابٍ يئست منها فيروز من قبلُ، أو مسرحيّةُ عذابٍ، دونَها سيزيفُ أو تنتالوس،لم تُرخَ ستائرُها بعدُ، فالمشاهد تخترق الزّمان والمكان، والأبطالُ بعدد رمل الصّحراء العربيّة... لا بعدد نجوم السّماء. مأساتُنا أنّنا لا نجيد إلاّ الإفراطَ في الأمور أو التّفريطَ بها، وبين إفراطٍ وتفريطٍ انفرط عِقدُنا.
سيادة الأمم تبدأ بسيادة لغاتها وبمؤسّساتها التي ترقى بهذه اللّغات. ما صارتِ الإنجليزيّةُ لغةً دوليّةً لقدسيّةٍ فيها، بل لخطإٍ في التّاريخ العسكريّ في الحرب الكونيّة الأولى، في اللّعبة الدّمويّة لهيمنة القوّة، جعلها لغةَ الولايات المتّحدة، بعد أن كانت الألمانيّة اللّغةَ الرسميّة السّيّدة...
ومن باب محاولة حفظ التّوازن، تسعى فرنسا إلى إثبات حضورها، حضارةً وقوّةً رئيسة في العالم عبر ما يسمّى بالدّول الفرانكوفونيّة!
ونحن، وجُلّنا سيّدات وأسياد في الخطاب، سادةٌ مقموعون مقهورون ظلّيّون... يتملّكنا شعور بالاستعلاء على اللّغة مردُّه إلى شعور بالدّونيّة تجاه الآخر. جلّنا سيّداتٌ وأسياد... وبنو سام وبنو الجان وبنو ضبّة يجدون عندنا، في هجعة بني أميّة، المطايا والتّكايا،
يومَ همس بنيامين فرانكلين عامَ 1750، معبّرا عن قلقه من انتشار الألمانيّة وهيمنتها في بنسلفينيا، ويوم عارض جورج واشنطن تشجيعَ الهجرة في رسالته إلى جون آدمز عام 1789، لأنّ المهاجرين، من ضمن أخطارهم، أنهم: " يحتفظون بلغاتهم التي أتَوا بها"... كان الاثنان يعرفان خطرَ اللّغة وخطورتَها.
كانت الألمانيّة آنذاك، اللّغةَ الرّسميّة في المدارس الأهليّة والعامّة في سنسناتي (Cincinnati)، مِلووكي (Milwaukee)، وسانت لويس (St. Louis)، حتى سمّيت المنطقةُ " المثلّثَ الألمانيَّ العظيم"، ثمّ بدأت الولايات بإصدار قوانينَ تُعلَّم وَفقها المباحثُ الأكاديميّةُ بالألمانيّة، وبدأت أوهَيو (Ohio) عام 1837، ثمّ تلتها ولايات أخرى في الأربعينيّات، فأعلِنَتِ الألمانيّةُ لغةَ تعليمٍ في كلّ الصّفوف في الولاية المذكورة، وفي ويسكنسن (Wisconsin) ومسّوري(Missouri).لم تكن الألمانيّة لغةَ تدريس فحسب، بل كانت وسيلة إحياء التّراث الألمانيّ والانتماء إلى الشّعب الألمانيّ، وكان أن وقع "الخطأ" التّاريخيّ بعد توحيد ألمانيا عام 1870، وانعكس الأمر في تنامي المدّ القوميّ الألمانيّ وتزايُدِ مظاهر الانتماء إلى البلد الأمّ الذي هاجروا منه. لاحظنا بدايات النّهاية في هيمنة الألمانيّة بُعيد اللُّعبة الدّمويّة؛ الحربِ الكونيّة الأولى، ولا شكّ في أنّ وجود ألمانيا والولايات المتحدة في جانبي القوى المتقاتلة، ترك أثره في مجريات الأمور، وحين تتحدّث كتُبُ التّاريخ الغبيّةُ عن عقابيل الحرب وما خلّفته من دمار، تُغْفِلُ اندحارَ الألمانيّة، واختيالَ الإنجليزيّة بدلا منها حتى بين الأمريكيّين من ذوي الأصل الألمانيّ، لتصير هذه الإنجليزيّةُ الأداةَ الأولى في تشكيل أمّة الأمم.
وفي ثلاثينَ دقيقةً عليّ أن أتحدّث عن اللّسان والهُويّة واللّغة والأمان، وحيث إنّني أتحدّث بلغتي عنّي، فأنا مترفٌ بالأمان،
فعلا مشتقّا من الإيمان، بدءا بالخالق وانتهاء بالذّات،
فعلا مشتقّا من أمانتين تعانقان الوريد؛ لغتي وأطفالي...
لغتي التي فَتَحَتْ عينيّ على الجمال، منذ أطلّ وجه خولةَ الذي ألقتِ الشّمسُ رداءها عليه، فعشقتُ حتى الدَّنَف، وتعلّمت البوح والتّوجّع واجتراحَ العلوم والمعارف، وعشقت أطفالي بملائكيّتهم وشيطنتهم، بلثغتهم، تُجَمِّلُ "سورة الإخلاص" و "أبانا الذي في السّمٰوات"، وعشقت حتّى لثغةَ شتائمِهم... أوَبعدَ هذا الدّنفِ تريدون تخلّيّا وانكفاءً؟ اللّغات، كما الأمّهات أو الحبيبات، لا تُعقُّ ولا تُهجَرُ... والعربيّة، أيّها الأحبّةُ، لا تعيشُ أزمةً، وإن كان لنا أن نتحدّث عن أزمتها، فإنّها مأزومة معنا ومأوزمة بنا
جزء من المحاضرة التي ألقاها الدكتور عطا الله في الملتقى الثقافي الدّولي الخامس عشر